كأس العالم هو الحدث النادر الذي تبني دولة من أجل الفوز بحق استضافته مطارات وخطوط سكك حديدية وملاعب. المباريات تستمر شهراً، والفاتورة تستمر عقوداً. فلماذا تواصل الحكومات الترشح؟
الإجابة المختصرة: الدول تستضيف كأس العالم ليس لتجني المال، بل لترك انطباع. البطولة شهرٌ تتجه فيه كاميرات العالم نحو دولة واحدة، وهذا الاهتمام هو المنتج الحقيقي. وجد الاقتصاديون الذين يدرسون الأحداث الكبرى مراراً أن العوائد المالية المباشرة ضئيلة. أما العوائد الدبلوماسية، فالحكومات تحسب أنها ليست كذلك.
يستعرض هذا التقرير ما يشتريه بلد مضيف فعلياً بترشيحه لاستضافة كأس العالم، وما يحصل عليه عادة في المقابل، ولماذا يرتبط الحساب بالقوة الناعمة أكثر من جداول الأرقام. القوة الناعمة، بلغة العلاقات الدولية، هي نفوذ يُكتسب عبر الجاذبية لا عبر القوة أو المال. والمشهد الرياضي من أكثر قنواتها موثوقية. ويمكن للقارئ المهتم الاطلاع أيضاً على خطوط الحاويات تعيد خدمات آسيا-أوروبا إلى مسار السويس.
على ماذا تنفق الدولة المضيفة فعلياً؟
التكاليف الظاهرة هي الملاعب والبنية التحتية. أما الأقل ظهوراً فهي عمليات الأمن، وترقيات النقل، وتوسعة الفنادق، والجهاز الإداري للترشيح نفسه، الذي قد يمتد لسنوات قبل الفوز بالتصويت حتى. وجزء كبير من البنية التحتية كان سيُبنى على أي حال؛ فالبطولة تعمل كموعد نهائي يدفع المشاريع إلى الاكتمال.
وهذا الأثر المحدد بالمواعيد جزء من جاذبيتها للسياسيين. فالحكومة تستطيع أن تربط اسمها بصالة مطار أو خط مترو يفتتح في موعده لأن العالم قادم. أما ما إذا كانت المشاريع ستبقى مفيدة بعد ذلك، فهو سؤال آخر، أجابت عنه مدن مضيفة كثيرة بإجابة مريرة بعد رحيل الجماهير. وتناولنا زاوية مرتبطة في الحملة الانتخابية الأمريكية النصفية تدخل مرحلتها الأخيرة مع صعود أسعار الطاقة إلى الواجهة.
لماذا تُوصف البطولة بأنها قوة ناعمة؟
لأنها تغيّر الصورة التي يراها العالم عن الدولة، وهذه هي المادة الخام للدبلوماسية. شهر من المباريات يعرض مدن الدولة وكفاءتها وكرم ضيافتها أمام جمهور لا تستطيع أي ميزانية إعلانية شراءه. ويستغل القادة المناسبة لاستقطاب كبار الزوار، وتوقيع اتفاقيات على هامش البطولة، وتقديم بلادهم كمكان طبيعي ومفتوح للأعمال.
وتشبه منطقية الجمهور صناعة الإعلام بطريقة غريبة. فالمضيف يشتري جمهوراً عالمياً بالبنية التحتية بدلاً من الإنفاق الإعلاني، ثم يحوّله إلى سمعة لا إلى إيرادات. وما إذا كان العائد السمعي يبرر التكلفة هو الحكم الذي تتخذه كل حكومة مرشحة، وهو حكم لا حساب. فلا مدقق حسابات يستطيع تسعير صورة دولة.
هل تغطي استضافة كأس العالم نفقاتها؟
على الأرقام المباشرة، نادراً ما يحدث ذلك. فمبيعات التذاكر والرعاية والسياحة خلال البطولة نادراً ما تغطي تكاليف رأس المال، وقد وجد باحثون راجعوا اقتصاديات الأحداث الكبرى أن طفرة السياحة الموعودة كثيراً ما تفشل في التحقق في السنوات اللاحقة. فالزوار المعتادون الذين يبتعدون بسبب الحدث، والأسعار المتضخمة، واحتكاكات الأمن، قد تلغي أثر القادمين الجدد.
ما يحتفظ به المضيف هو البنية التحتية، وبعض التجديد الحضري، وقصة تُروى. والملاعب هي الأصل الأصعب في إبقائه منتجاً؛ فقد بقيت لدى عدة دول مضيفة ملاعب بلا مستأجر دائم وتكلف مالاً للصيانة. والدول التي تخطط لاستخدامات ثانوية للملاعب قبل بنائها تسير عادة أفضل من تلك التي تبني أولاً وتفكر لاحقاً.
قراءتنا للنمط: الحجة الصادقة للاستضافة هي رهان طويل الأمد على العلامة الوطنية، والحجة الصادقة ضدها أن دفعة السمعة تتلاشى أسرع من الدين. وكلتا الحجتين يمكن أن تكونا صحيحتين معاً، ولهذا لا تنتهي الجدل أبداً.
من يقرر أين تُقام مباريات كأس العالم؟
الهيئة الحاكمة لكرة القدم العالمية، FIFA، تمنح حقوق الاستضافة عبر تصويت من اتحاداتها الأعضاء، وتقدم الترشيحات قبل سنوات. وقد تعرضت العملية لتدقيق مستمر بشأن الحوكمة والضغط السياسي، وتبعت كل جدلية إصلاحات. وللدول المرشحة، يمثل التصويت ذروة حملة دبلوماسية بقدر ما هو عرض تقني.
وفي تلك الحملة يصبح منطق القوة الناعمة مرئياً. فملف الترشيح يتحدث عن طاقة النقل وغرف الفنادق. أما الدبلوماسية المرافقة فتشمل اتصالات من رؤساء دول، وتنقلات وفود تجارية، ووعوداً بإرث ما بعد البطولة. والفوز بحق الاستضافة يُقرأ بحد ذاته، في المنطقة وخارجها، كبيان عن مكانة الدولة.
ماذا يعني هذا للشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟
أصبحت المنطقة مرشحة ومضيفة جادة، ودوافعها تطابق النمط أعلاه. وقد استخدمت دول الخليج على وجه الخصوص الأحداث الكبرى لتعريف نفسها على جماهير لم تكن تعرف عنها الكثير، مقترنةً بالبطولة استثمارات أوسع في شركات الطيران والسياحة والثقافة. وللاقتصادات الساعية إلى التنويع خارج المحروقات، يشكل الحدث العالمي حدث إطلاق للقطاع السياحي الذي تحاول بناءه.
وتغطي تغطيتنا للأعمال والاقتصاد اقتصاديات هذا التنويع، وتندرج الزاوية السياحية ضمن تغطيتنا للسفر والتراث. ويرتبط البعد الدبلوماسي بالقصة الأوسع حول كيفية إسقاط المنطقة نفوذها، وهي قصة تتابعها هيئتنا للمجتمع والثقافة من زاوية مختلفة.
وهناك سياق أكثر حدّة أيضاً. فالاهتمام العالمي من أي نوع يتنافس مع الاهتمام العالمي من كل نوع. ومنطقة تهيمن عليها عناوين الطاقة والصراع، كما تُظهر تغطيتنا للأخبار العالمية يومياً، لها مصلحة واضحة في قصة عنها ليست أزمة. والرياضة توفر واحدة.
خلاصة القول حول البطولات والقوة الناعمة
تستضيف الدول كأس العالم لثلاثة أسباب متداخلة: دفع بنية تحتية متأخرة إلى الاكتمال، وتقديم البلاد أمام جمهور هائل، وادعاء مقعد على طاولة الأحداث العالمية الكبرى. العائد المالي المباشر عادة متواضع. أما العائد السمعي فهو حقيقي لكن يصعب قياسه ويسهل المبالغة فيه.
تشير الأدلة، على قدر ما فيها، إلى نتيجة ثابتة: الاستضافة هي شراء دبلوماسي يتنكر في زي رياضي. وما إذا كان يستحق الثمن يعتمد على ما تريد الحكومة أن يصدقه العالم عنها، وعلى المدة التي ترغب في الدفع مقابل هذا التصديق. وما يبقى مجهولاً هو سعر الصرف بين شهر من المباريات وتحول دائم في صورة دولة. ولم يجد أحد طريقة لتدقيق ذلك.
