وكالات الأنباء لا تتحدث بصوت واحد. كل برقية تحمل جنسية معلنة — رويترز بريطانية، وفرانس برس فرنسية، ووكالة الأنباء السعودية تتبع الرياض — وهذه الجنسية تخبر القارئ من يملك العدسة قبل أن تصل أول حقيقة. وفي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تنشر وكالات ممولة من الدول إلى جانب تعاونيات مستقلة، غالباً ما يكون هذا العلم أهم كلمة على الصفحة.
تستحق هذه النقطة التوضيح لأن الافتراض المتجذر يقول إن البرقيات مجرد قنوات محايدة: القصة نفسها، والحقائق نفسها، أيّ وكالة بثّتها. وفي الواقع، تجيب الجنسية المعلنة عن سؤال نادراً ما يفكر القراء في طرحه: أمام من تكون هذه المؤسسة مسؤولة، وما الذي تعتبره المركز الطبيعي للقصة؟ فكلمة «لماذا»، كما تعرّفها قاموس كامبريدج، تشير إلى السبب أو النية الكامنة وراء فعلٍ ما — وجنسية وكالة الأنباء هي أسرع دليل على تلك النية.
وكما يوحي مدخل قاموس كامبريدج، فإن السبب وراء الخبر يهم بقدر الخبر نفسه. فبرقية من وكالة حكومية وبرقية من تعاونية يملكها أعضاؤها قد تصفان وقف إطلاق النار نفسه، وتتركان القارئ بانطباعين مختلفين عمّن بدأه، ومن أنهاه، وما الذي سيأتي بعده.
ما هي وكالة الأنباء تحديداً؟
وكالة الأنباء مؤسسة إخبارية تُعدّ التقارير لتنشرها مؤسسات أخرى، لا لقرّائها هي وحدهم. فالصحف والمحطات الإذاعية والمواقع الإلكترونية تشترك في خدمتها وتنشر برقياتها، غالباً بتحرير خفيف. ولهذا تظهر الفقرات نفسها في عشرات المنشورات في الصباح ذاته.
بُني هذا النموذج على أساس التوسع. فمكتب واحد في عاصمة واحدة يمكنه الوصول إلى شبكة اشتراك كاملة، ما يجعل البرقيات رخيصة وسريعة. لكنه يعني أيضاً أن إطار السرد الذي ترسمه وكالة واحدة قد ينتقل إلى أبعد بكثير من غرفة الأخبار التي كتبته. وحين تنفجر قصة إقليمية، تصبح النسخة الوكالة غالباً النسخة التي يقرأها معظم العالم أولاً.
أي وكالة تحمل أي علم؟
للوكالات الدولية الكبرى دول أم، والعلامات تهم. رويترز بريطانية ومملوكة لشركة أم مقرها كندا. أسوشيتد برس أمريكية وتعمل كتعاونية لمؤسساتها الأعضاء. أما فرانس برس فهي فرنسية، والدولة الفرنسية مساهم أغلبية فيها — وهي تفصيلة تفاجئ القراء الذين يظنون أن فرانس برس تقف خارج الحكومة كما تفعل شركة خاصة.
ثم هناك الوكالات الوطنية والإقليمية، وهنا يزداد الخريطة كثافة. فالخليج يدير وكالاته الحكومية الخاصة: وكالة الأنباء السعودية في الرياض، ووكالة أنباء الإمارات المعروفة بـ«وام» في أبوظبي. ومصر لديها وكالة الشرق الأوسط للأنباء، المعروفة اختصاراً بـ«مينا». وتونس لديها «تاپ»، والمغرب لديها «ماب»، والوكالة الرئيسية في الأراضي الفلسطينية هي «وفا». أما وكالة الأنباء السورية فهي «سانا». وخارج المنطقة، سيصطدم القراء أيضاً بوكالة الأناضول التركية، ووكالة الأنباء الإيرانية «إرنا»، ووكالة شينخوا الصينية، ووكالة تاس الروسية.
لا شيء من هذا يجعل البرقية غير صالحة للاستخدام، بل يجعلها قابلة للقراءة — كما تجعل ملصق المكونات الغذائية الطعام قابلاً للفهم. فالوكالة الحكومية ستنقل إعلانات حكومتها بدقة وسرعة، وغالباً بتفاصيل لا يستطيع أي مكتب أجنبي منافستها. أما ما نادراً ما تفعله فهي أن تفتتح الخبر بالزاوية التي تُحرج عاصمتها.
كيف يصوغ العلم القصة؟
ثلاث آليات تقوم بمعظم العمل. الأولى هي الاختيار: أي الأحداث تُغطى أصلاً. فالوكالة الحكومية تغطي ما تعتبره حكومتها خبراً، والوكالة الدولية تغطي ما يعتبره مشتركوها حول العالم خبراً. والثانية هي التركيز: أي حقيقة تفتتح القصة وأيها يُدفن في الفقرة السادسة. والثالثة هي المفردات — تلك الخيارات المحمّلة والهادئة: من «نظام» ومن «حكومة»، ومن «يقول» ومن «يُعلن».
تأمل كيف يمكن أن يُنقل الحدث الإقليمي نفسه بشكل مختلف. فحين بلغت الاحتياطيات الأجنبية المصرية رقماً قياسياً عند 56.3 مليار دولار رغم الحرب، ستتفق تغطية وكالة مقرها القاهرة وتغطية وكالة مقرها في مكان آخر على الرقم، وتختلفان على العنوان. وحين أعلن الحوثيون حصراً بحرياً على السعودية مع اتساع رقعة حرب البحر الأحمر، تنبأ العلم على البرقية بكثير ممّا يتعلق بأي بيانٍ جرى أولاً وأيها جاء كردّ فعل.
ولا يقتصر النمط على النزاعات. فالأخبار الاقتصادية والرياضية والتراثية — كلها تميل نحو مصالح العاصمة الأم. فالوكالة في اقتصاد يعتمد على السياحة ستنقل أخباراً أكثر عن أعداد الزوار من وكالة في بلد مصدّر للنفط. وليس هذا فضيحة، بل هو حافز، ويمكن للقراء أن يحسبوا عليه.
ماذا يعني هذا للقراء
الخطوات العملية بسيطة. افحص العلم قبل المقدمة. فإذا كانت قصة عن نزاع تذكر وكالة حكومة ما كمصدر، فابحث عمّا تنسبه تلك الوكالة إلى المسؤولين وعمّا تتركه دون نسبة. واقرأ وكالتين عن الحدث نفسه حين تكون المخاطر كبيرة؛ فالتقاطعات هي الحقائق، والفجوات هي الأعلام.
من الأفضل التعامل مع برقيات الوكالات الحكومية بوصفها مصدراً أولياً — مرجعية فيما تقوله حكومة، وفي ذلك وحده. أما برقيات الوكالات الدولية فمن الأفضل التعامل معها بوصفها مسودة مشتركة، تتشكل بمعايير بلدها الأم وضغوطه. ولا واحدة منهما كذبة. كلتاهما زاوية.
وتحليلنا، في حدود ما يمكن أن يقدمه مكتب تحريري: جنسية الوكالة ليست علامة تحذير بل إحداثية. فهي تحدد موقع القصة على خريطة المصالح، والقراء الذين يستخدمونها هكذا يستفيدون أكثر من كل خدمة أخبار يتابعونها — بما في ذلك قسم أخبار الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هذه الصحيفة نفسها، الذي يحمل مجموعته الخاصة من الخيارات. وقد تناولنا زاوية مرتبطة في من يقرر ما يقرأه الشرق الأوسط: يوم داخل مكتب برقيات إقليمي.
لماذا تستحق البرقيات الإقليمية قواعد قراءة خاصة بها
تعمل البرقيات الإقليمية تحت ضغوط نادراً ما تواجهها الوكالات الدولية. فالوكالة الوطنية في بلد تُقيّد فيه حرية الصحافة تعمل تحت قيود مختلفة عن نظيرتها في بلد يضم سوقاً إعلامية تنافسية، وتعكس البرقيات ذلك. والقراء في المنطقة يعرفون هذا غريزياً؛ فهم يمسحون المصدر قبل أن يمسحوا العنوان.
والمكتب الذي يجمع خدمة البرقيات الإقليمية يتخذ خياراته الخاصة أيضاً، كما وصفت هذه الصحيفة في «من يقرر ما يقرأه الشرق الأوسط: يوم داخل مكتب برقيات إقليمي». فالاختيار قرار في كل طبقة: برقية أي وكالة، وأي فقرة، وأي اقتباس ينجو من التحرير. أما الاقتصاد الأوسع وراء تلك الخيارات فيمر عبر الصناعة بأكملها، كما في صحافة العالم العربي: كيف تعمل الصناعة.
والدليل على تأثير العلم بنيوي لا إحصائي: فهو يكمن في الملكية والتفويض والحافز، ومرئي لأي شخص يقارن بين وكالتين في اليوم نفسه. أما ما يبقى مجهولاً فهو مقدار ما يلاحظه القراء فعلاً من هذا الاختلاف. والإجابة الصادقة أن معظمهم لا يلاحظه، وهذا بالضبط سبب استحقاق العلم أن يُعلَّم.
قراءة البرقيات مع مراعاة العلم
الخلاصة ليست التشاؤم، بل الثقافة الإعلامية. فالبرقيات تظل أسرع وأرخص وسيلة لمتابعة منطقة بحجم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وسرعته. وجنسية الوكالة لا تُبطِل البرقية، بل تؤهّلها — تخبر القارئ بما هي مصممة لتعرفه وما هي مصممة لتتجاهله.
وفي المرة القادمة التي يصل فيها عنوان يحمل اسم وكالة، تعامل الاسم بوصفه جزءاً من القصة. فالعلم يقوم بعمل. والقراء الذين يرون هذا العمل يمكنهم الحكم على البرقية بجدارتها لا بزخمها.
