تحمل الصحف في العالم العربي وظيفتين في آن واحد: فهي مؤسسات تجارية يتعين عليها سداد فواتيرها، وهي في الوقت نفسه مؤسسات توثّق الحياة العامة. وكلتا الوظيفتين تصنعان ما يظهر على الصفحة الأولى.
لهذه الصناعة في المنطقة ملامح خاصة بها؛ فبعض الصحف تتبع الحكومات، وأخرى تتبع ملاكًا من القطاع الخاص، وقليل منها ينشر من قاعدة واحدة إلى عدة دول. ومعرفة مصادر المال والملكية وراء كل صحيفة تجعل قراءة الصحافة الإقليمية أسهل بكثير. وللمهتمين بمتابعة هذا الملف، يُرجع إلى الرسوم الجمركية الجديدة في العراق تشعل احتجاجات التجار في عموم البلاد.
النموذج التجاري الأساسي
وفق المدخل المرجعي المعياري حول الصحف، تعتمد معظم الصحف في تغطية نفقاتها على مزيج من إيرادات الاشتراكات ومبيعات الأكشاك والإعلانات. وهذا المزيج هو ما يضبط إيقاع الصناعة: فالاشتراكات تبني أرضية مستقرة، ومبيعات الأكشاك تكافئ العناوين التي تجذب القارئ العابر، والإعلانات تغطي الباقي. وكانت الإعلانات المبوبة ذات يوم ركيزة مهمة في هذا المجال، لكن مع عام 2013 كان صعود مواقع البيع عبر الإنترنت قد خفّض إيراداتها بشكل حاد، كما انتشر الإنفاق الإعلاني منذ ذلك الحين على وسائل إعلام عديدة أخرى.
حين تقف الدولة خلف الصحافة
بعض الصحف تديرها الحكومات أو تموّلها على الأقل، ما يجعل بقاؤها أقل اعتمادًا على الإعلانات والأرباح. وتجسّد صحيفة الأهرام المصرية هذا النموذج؛ فوفقًا لتاريخها الموثّق، تأسست الأهرام في الإسكندرية عام 1876، وبدأت أسبوعية قبل أن تصبح يومية عام 1881. وهي مملوكة بأغلبية للحكومة المصرية وتُعد صحيفة مرجعية في مصر. وفي عام 1957 عيّن الرئيس جمال عبد الناصر حليفًا مقربًا رئيسًا لتحريرها ومنحها صفة شبه رسمية، ثم ألغى قانون صدر عام 1960 ملكية الصحف الخاصة فأُمّمت الصحيفة. ووفق أرقامها الموثّقة، ارتفع تداولها من نحو 90 ألف نسخة عام 1947 إلى 520 ألفًا عام 1976، ثم بلغ 1.2 مليون نسخة عام 2000.
والاستقلال هو القضية الصامتة في هذا النموذج. وتقول المراجعات المتخصصة ذلك بوضوح: إن الاستقلال التحريري لأي صحيفة يظل دائمًا رهنًا بمصالح طرف ما، سواء كان الملاك أو المعلنين أو الحكومة. والقارئ الذي يعرف مالك الصحيفة يعرف زاويتها. ويرتبط ذلك بمقالنا السابق حول احتياطيات مصر الأجنبية تسجل مستوى قياسيًا عند 56.3 مليار دولار رغم الحرب.
الحل القومي العربي: النشر عبر الحدود
ليست كل صحيفة عربية تتبع عاصمة واحدة. فقد أطلقت صحيفة الشرق الأوسط في لندن عام 1978 نموذج "النشر من الخارج" في الصحافة العربية. ووفق رواية الصحيفة نفسها، تُطبع في 14 مدينة على أربع قارات، ولها مكاتب ومراسلون في عموم العالم العربي وأوروبا والولايات المتحدة وآسيا. كما تحمل اتفاقيات تبادل محتوى مع صحف واشنطن بوست ولوس أنجلوس تايمز ونيويورك تايمز، وتنشر نسخًا عربية لأعمدة كتّابها. ولم تكن الأهرام غائبة عن هذا السباق، إذ بنت حضورها الخاص بصحيفة قومية يومية تُطبع في البحرين والسعودية والكويت والإمارات، إضافة إلى نسخة دولية تصدر من لندن منذ عام 1984.
من ورق الصحف إلى الشاشات
لم يُسلم أي سوق من التحول الرقمي. فمعظم الصحف اليوم تنشر نسخًا إلكترونية إلى جانب الورقية، وبعضها تخلّى عن الطباعة كليًا. ويُروى هذا الانحدار غالبًا على أنه انتصار الرقمي على الورقي، لكن الواقع أكثر تعقيدًا: فمن يرغب في الاشتراك يستطيع قراءة الصحيفة على شاشة، والإعلانات المبوبة التي كانت تموّل أقسامًا كاملة انتقلت إلى مواقع متخصصة، وانتشرت ظهورات الإعلانات على وسائل إعلام عديدة بدلًا من صفحة واحدة.
خلاصة: صناعة عتيقة ما تزال تبحث عن قرّائها
تمزج صناعة الصحف في العالم العربي بين المألوف والخاص. فالإيرادات تأتي من الاشتراكات والمبيعات والإعلانات، غير أن الملكية كثيرًا ما تضيف إلى الصورة دولة أو أسرة حاكمة، وأقوى الصحف تعلّمت الطباعة عبر الحدود. ولكل قارئ، تشكل هذه الحقائق عدسة للفهم: اعرف من يموّل الصحيفة، وأين تُطبع، ولمن تتبع، وستخبرك الصفحة الأولى بما يتجاوز العناوين وحدها.
