انفجرت احتجاجات في عموم العراق مطلع تموز 2026 احتجاجاً على رسوم جمركية جديدة تمس التجار، وامتدت المظاهرات عبر المدن التجارية في البلاد بعدما قال المستوردون إن الإجراءات الجمركية تتراكم فوق كلف شحن وتأمين تضخمتها الحرب (The National، مطلع تموز 2026). وتصل هذه الاضطرابات إلى حكومة تحمل أصلاً أصعب ملف سياسي في المنطقة: فإدارة رئيس الوزراء علي الزيدي تواجه موعداً نهائياً في أيلول لنزع سلاح الميليشيات الموالية لإيران وكسب ثقة واشنطن بأن بغداد ليست تابعة لطهران، وفق تتبع مجلس العلاقات الخارجية (Council on Foreign Relations) للنزاعات، في وقت تُدار فيه اقتصاد محاصر من كل الاتجاهات.
ملف الرسوم الجمركية صغير تقنياً وكبير سياسياً. فالعراق يستورد الحصة الغالبة من سلعه الاستهلاكية، والرسوم الجديدة ترفع الكلفة النهائية للبضائع العابرة للموانئ والمعابر الحدودية التي تهيمن على خريطة تجارة البلاد. والتجار، أي الطبقة التجارية التي تشكل عماد اقتصادات الأسواق في بغداد والبصرة ومدن الجنوب، قرؤوا الإجراءات بوصفها ضريبة على قطاع تجاري يتحمل أصلاً علاوة الخدمات اللوجستية للحرب الإقليمية، من إعادة تسعير مخاطر البحر الأحمر إلى تأمينات الخليج وتحويل مسارات الشحن، فنقلوا الاحتجاج إلى الشوارع خلال أيام من تطبيق الرسوم.
كيف تبدو الاحتجاجات
تسير المظاهرات على النمط الذي كرّسه العراق منذ 2019: تظاهرات تجارية ومدنية في مراكز المدن، وإغلاق للطرق الرئيسية، وسرعة في اكتساب مطالب أوسع تشمل الوظائف والخدمات وملفات الفساد، وهي ما تكتسبه كل احتجاجات اقتصادية في البلاد. وفي وقت سابق من العام، خرج آلاف خريجي الجامعات في وسط بغداد مطالبين بوظائف مرتبطة بأحكام التوظيف في موازنة 2026، وتستمد احتجاجات الرسوم الجمركية وقودها من الوعاء نفسه من المحبطين. وأدارت قوى الأمن الاضطرابات بمزيج من التنازل والحسم، فيما وثّقت منظمات رصد حقوق الإنسان تعامل الحكومة مع الاعتصامات في المدن السنية والكردية، ومنها الرمادي والفلوجة والموصل وكركوك، عمليات تفريق عزّزت المزاج الغاضب بدل أن تهدئه.
الخلفية الاقتصادية
يبلغ العراق نقطة الضغط هذه بانكشاف الدولة النفطية الكلاسيكي، وقد اشتد بفعل الحرب. فالمالية العامة تعتمد على صادرات النفط عبر مياه الخليج المهددة، وهي اقتصاديات الإغلاق ذاتها التي خفّضت نمو المنطقة هذا العام. واستقرار الدينار مرهون باحتياطيات تغذيها تلك الصادرات. واقتصاد الاستيراد الذي تفرض الرسوم الجمركية ضريبتها عليه الآن يُسعَّر في سوق شحن أعادت الحرب تسعيرها عالمياً. وهكذا تصطدم المعالجة المالية للحكومة، بما فيها جدول الرسوم ضمن إجراءات إيرادية جديدة، بقدرة الشارع على التحمل في بلد تشكل الوظيفة الحكومية الملاذ الأخير للمطالب، وقد التُزم أصلاً بالتوسعات التي تتضمنها موازنة 2026.
| عامل الضغط | التفاصيل |
|---|---|
| الرسوم الجمركية | إجراءات جمركية جديدة أثارت احتجاجات التجار منذ مطلع تموز 2026 |
| موعد الميليشيات | توقعات بنزع سلاح الجماعات المسلحة الموالية لإيران في أيلول 2026 |
| بطالة الخريجين | احتجاجات بغداد للوظائف المرتبطة بموازنة 2026 في وقت سابق من العام |
الإطار السياسي
حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي، التي تشكلت في إعادة التشكيل التي أعقبت إعادة اصطفاف المنطقة، تدير البلاد بولاية تجمع الإصلاح وإدارة الطوارئ. وملف نزع سلاح الميليشيات وجودي: فصبر واشنطن، الذي يُعبَّر عنه عبر توقعات أيلول والبنية الأمنية التي تحافظ عليها الولايات المتحدة في المنطقة، يضع ساعة على سؤال سيادة بغداد، وحسابات كل فصيل مسلح تمر عبر موقف طهران الحربي. وتذكّر احتجاجات الرسوم الجمركية بأن شرعية الحكومة تمر أيضاً عبر السوق: فأسعار السلع وتوافر الوظائف ووضوح العدالة في تحصيل إيرادات الدولة هي العملة التي تُقاس بها حكومات العراق فعلياً، كما أثبتت حركة تشرين 2019 على المستوى الوطني.
ما الذي يجب مراقبته
ثلاثة مؤشرات ستحدد ما إذا كانت الاحتجاجات ستتلاشى أم تتراكم. تفاصيل الرسوم: هل تعدّل الحكومة الجدول أم تؤجل تطبيقه أم تتمسك به، وما التنازلات التي ترافق كل مسار. التوظيف في الموازنة: هل تبدأ أحكام التوظيف في موازنة 2026 باستيعاب ضغط الخريجين قبل نهاية الصيف. وساعة الميليشيات: أي إجراء تنفيذي ضد الفصائل المسلحة قبل أيلول، أو أي هجوم يستبقه، سيعيد تسعير كل الملفات الأخرى، بما فيها ملف الشوارع، بين ليلة وضحاها. وتاريخياً تبلغ دورات الاحتجاج في العراق ذروتها في حر الصيف، والحرب الإقليمية هذا العام زوّدت المشهد بالوقود جاهزاً.
الجوهر التقني لملف الرسوم
ما يحتج عليه التجار هو أداة مألوفة بحدة غير مألوفة. فنظام الجمارك العراقي ظل طويلاً اقتصاداً للالتفافات: رسوم اسمية على الورق، وتطبيق متفاوت في الممارسة، وكلف حقيقية للتجارة الاستيرادية تُدفع عبر السماسرة والتأخير والمدفوعات غير الرسمية التي غذّها غموض النظام. وإجراءات 2026، مهما كان منطقها الإيرادي في مواجهة عجز اتسع بحسابات نفط زمن الحرب، تصل إلى السوق بوصفها محاولة الدولة لتحويل ذلك الغموض إلى تحصيل فعلي، وشكوى التجار تحديداً هي أن هذا التحويل يُخرج نموذجهم من السوق: فهوامش بُنيت على توازن غير رسمي قديم لا تستطيع استيعاب الكلف الرسمية الجديدة مضافاً إليها علاوات الشحن التي أضافتها الحرب الإقليمية أصلاً. والحجة المضادة للحكومة، بأن الإيرادات الجمركية تمول الخدمات التي يطالب بها المحتجون أنفسهم، هي الحوار المالي المعتاد في دول الاستيراد، ونسخة العراق منه تمر عبر نظام سياسي يجعل كل ملف اقتصادي أيضاً صفقة توزيعية بين الجماهير. والسابقة التي تستحق المراقبة هي اقتصاديات سيناريو 2019: صدمة في جانب الطلب، بطالة شباب وخدمات حضرية، تضاف إلى شرارة، فتتغير حسابات الشارع؛ وجدول الرسوم ليس تلك الشرارة وحده، لكن الصيف طويل.
ولقراء المنطقة، صيف العراق دراسة حالة في كيفية وصول فاتورة الحرب الاقتصادية بشكل غير متكافئ: الحكومة ذاتها التي تدير مواعيد نزع سلاح فرضها صراع القوى الكبرى تدير أيضاً حسابات السوق، والملف الثاني له جماهير تصوّت بأقدامها.
وللاطلاع على الكلفة الاقتصادية الإقليمية للحرب، اقرأوا تقريرنا عن خفض صندوق النقد الدولي لتوقعات نمو المنطقة، وتصفحوا قسم أخبار المنطقة للمتابعة المستمرة.
