تتحول الشركات العائلية في الخليج من حكم المؤسس إلى الإدارة الاحترافية، ويظل الانتقال بين الأجيال هو الاختبار الذي يحدد أي الشركات تنجو. والنمط يمتد إلى كامل المنطقة: بيوت تجارية في دبي، ومجموعات مقاولات في الرياض، وعائلات تجزئة في الكويت، جميعها تعيد صياغة آلية تمرير القيادة. والشركات التي تخطط للانتقال مبكراً هي غالباً من تحافظ على أعمالها، أما التي تترك الأمر لقرار على فراش الموت فكثيراً ما تفشل.
الرهانات كبيرة لأن هذه الشركات تشكل ركيزة القطاع الخاص. فالشركات العائلية تزوّد قطاعات التوزيع والإنشاءات والتجزئة والتصنيع في دول الخليج الست، وتوظف حصة كبيرة من القوى العاملة الوطنية. وحين تنشق شركة عائلية تُدار جيداً بسبب الميراث، يمتد الضرر إلى الموردين والبنوك والموظفين، لا إلى أسرة واحدة فحسب.
نقطة البداية تعريفية. فكما تشير Simplicable في نظرة عامة حول مفهوم الأسرة، كثيراً ما تؤسس الأسر أعمالاً وتنقل الثروة إلى الجيل التالي، وتعمل كوحدات اقتصادية تجمع الموارد والمسؤوليات. وفي الخليج يبرز هذا الدور الاقتصادي بشكل استثنائي، لأن التاريخ التجاري للمنطقة بُني على عائلات تجارية تاجرت في اللؤلؤ والتمور والشحن قبل أن تعيد الثروة النفطية تشكيل الاقتصادات.
لماذا يُشكّل انتقال القيادة تحدياً بهذا الصعوبة للشركات العائلية الخليجية؟
تكمن الصعوبة في أن انتقال القيادة يطلب من العائلة الفصل بين أمرين جمعتهما دائماً: الملكية والإدارة. فالمؤسس عادةً يدير الشركة بنفسه، بينما قد يبلغ عدد أبنائه وأحفاده العشرات، وليس كلهم راغب في الأدوار التنفيذية أو مؤهلاً لها. والانتقال الذي يمنح كل ابن عم مقعداً في مجلس الإدارة ولقباً إدارياً ينتج شركة لا أحد يستطيع إدارتها.
ويضيف قانون الميراث الإسلامي طبقة أخرى. فالتُرك تُقسم بين الورثة وفق أنصبة محددة، ما يعني أن الحصة المسيطرة قد تتفتت بين فروع العائلة مع كل جيل. وفي غياب هيكل يحفظ الأسهم مجتمعة، تتراجع الملكية حتى يعجز أي فرع منفرد عن اتخاذ أي قرار بسرعة. وتُجمع الأعمال الاستشارية الإقليمية الخاصة بالمؤسسات العائلية على أن هذا التفتت هو الخطر الهيكلي الجوهري، متقدماً على قضايا الضرائب والأسواق.
وهناك أيضاً تردد ثقافي في الحديث عن فانية المؤسس. ويلاحظ المستشارون في المنطقة أن العائلات تؤجل هذا الحوار حتى تفرضه أزمة صحية، وحينها تكون الخيارات قد ضاقت.
كيف تبدو الإدارة الاحترافية على أرض الواقع؟
تعني الإدارة الاحترافية أن تعيّن الشركة تنفيذيين على أساس الكفاءة، بما في ذلك من خارج العائلة، وتقيّمهم على الأداء. ويحتفظ أفراد العائلة بالملكية ويجلسون في مجلس إدارة يضع الاستراتيجية ويعيّن الرئيس التنفيذي. أما الرئيس التنفيذي، سواء كان من العائلة أو خارجه، فيدير الأعمال يوماً بيوم.
وتسير الخطوات العملية وفق تسلسل معروف. أولاً، تتفق العائلة على دستور عائلي مكتوب: من يحق له العمل في الشركة، وما المؤهلات المطلوبة، وكيف يُحدد التعويض، وكيف تُحل الخلافات. ثانياً، تنتقل الملكية إلى هيكل قابض، غالباً شركة قابضة عائلية أو مؤسسة، بحيث يرث الورثة أسهماً في الهيكل بدل حصص مباشرة في الشركات التشغيلية. ثالثاً، يضيف مجلس الإدارة مديرين مستقلين ذوي خبرة حقيقية في القطاع. رابعاً، تضع العائلة قاعدة بأن الأدوار القيادية تُكتسب بالجدارة ولا تُورث تلقائياً.
ما دور الهياكل العائلية القابضة؟
تحل الهياكل القابضة مشكلة التفتت. فبدل أن يملك كل وارث جزءاً من كل شركة تشغيلية، يملك الورثة أسهماً في كيان قابض واحد يملك بدوره الشركات. وهكذا تبقى السيطرة موحدة، ويمكن أن تنتقل الأسهم بين أفراد العائلة دون المساس بعقود الشركات التشغيلية أو تراخيصها أو علاقاتها المصرفية.
وقد بنى عدد من الولايات الخليجية أدوات قانونية لهذا الغرض تحديداً. فكل من الإمارات والسعودية أصلحتا قانون الشركات في السنوات الأخيرة لمنح المجموعات العائلية خيارات أوضح فيما يتعلق بالهياكل القابضة والمؤسسات وفئات الأسهم. وتفصيلاتها تختلف باختلاف الولاية وتتغير مع الوقت، لذا تلجأ العائلات التي تبني انتقالاً عادةً إلى استشارة قانونية محلية بدل نسخ نموذج الجار. غير أن المبدأ مشترك: إبقاء الملكية موحدة، وإبقاء الإدارة احترافية، وتدوين الاثنين كتابةً.
أين تقع حكومات الخليج من هذا المشهد؟
تتعامل الحكومات اليوم مع استمرارية الشركات العائلية بوصفها سياسة اقتصادية لا شعوراً خاصاً. فأجندة رؤية السعودية 2030 تركز على قطاع خاص أكبر، والشركات العائلية جزء كبير منه، ولذلك شجعت الرياض إصلاحات الحوكمة وانتقالات العائلات إلى نماذج الشركات المدرجة. أما الإمارات فقد جعلت من دبي وأبوظبي مركزين تستطيع فيهما المجموعات العائلية الاحتراف وإعادة الهيكلة، وفي حالات معينة إدراج جزء من المجموعة في البورصات المحلية. وشهدت الكويت وقطر نمواً مشابهاً في العمل الاستشاري. وقد تناولنا زاوية مرتبطة في النمو غير النفطي في الإمارات يتسارع مع بلوغ مؤشر مديري المشتريات في دبي 55.9 في يناير.
والمنطق السياسي واضح. فالشركة العائلية التي تتحول إلى الإدارة الاحترافية تستطيع جذب رأس المال المؤسسي والاقتراض بشروط أفضل والتوسع خارجياً، بينما كثيراً ما تعجز الشركة التي تبقى دائرة مغلقة من أبناء العم عن ذلك. وبالنسبة لاقتصادات تسعى لتنويع مصادرها بعيداً عن النفط، فإن هذا الفارق يكتسب أهمية وطنية، ويمكن للقراء متابعة صورة النمو الأوسع في تقرير Sala News عن صندوق النقد الدولي يرفع توقعات نمو الشرق الأوسط لعام 2026 في تحديث يناير. وللتغطيات ذات الصلة، راجع صندوق النقد الدولي يرفع توقعات نمو الشرق الأوسط لعام 2026 في تحديث يناير.
ما الذي يمكن أن تفعله الشركة العائلية بعد ذلك؟
الخطوة التالية المفيدة هي البدء قبل أن يصبح الأمر ملحاً. ويتفق المستشارون في المنطقة على قائمة مختصرة لا يتطلب أي بند منها وجود أزمة للبدء.
- كتابة دستور عائلي. ينبغي أن يحدد من يحق له الانضمام إلى الشركة، وبأي شروط، وكيف تُحسم الخلافات.
- الفصل بين الملكية والإدارة. امنح الورثة الأسهم، وامنح الشركة أفضل التنفيذيين المتاحين.
- توحيد الملكية في هيكل قابض. هذا يحمي المجموعة من التفتت عبر الأجيال.
- بناء مجلس إدارة حقيقي. فالمديرون المستقلون يقدمون انضباطاً نادراً ما توفره طاولة العائلة.
- التخطيط مبكراً لقضايا الضرائب والميراث. تختلف الأنظمة بين بلد وآخر وتتغير مع الوقت، فتحققوا من الأوضاع السارية مع مستشارين محليين.
وتحليلنا للنمط الإقليمي هو أن العائلات الناجحة تتعامل مع الحوكمة بوصفها منتجاً تبنيه، لا تنازلاً تقدمه. فالدستور العائلي والشركة القابضة ومجلس الإدارة المستقل ليست علامات على فقدان العائلة السيطرة، بل هي الآلية التي تحفظ للعائلة السيطرة على شيء يستحق السيطرة عليه.
ويبقى المجهول هو مصير جيل الانتقالات الحالي. فكثير من أكبر المجموعات العائلية في المنطقة تمر بأول انتقال احترافي كامل لها، وستحتاج نتائجه إلى عقد كامل ليُقرأ. والأدلة المتاحة حتى الآن تدعم استنتاجاً واحداً: الشركات التي دوّنت قواعدها قبل أن يتراجع المؤسس دخلوا الانتقال وخياراتهم مفتوحة، أما التي انتظرت فدخلوته ووداعهم جاهز.
