واصل التضخم الجوهري في مصر مساره التنازلي مع مطلع عام 2026، إذ أظهرت بيانات البنك المركزي المصري تراجع المعدل السنوي إلى 11.2 بالمئة في يناير مقابل 11.8 بالمئة في ديسمبر. وتُطيل هذه القراءة مسار الانخفاض التضخمي الذي أعقب تعديلات سعر الصرف ودورة التشديد النقدي بين 2022 و2024، لتصل المقاييس الجوهرية إلى أدنى نطاق لها منذ تسارع انزلاق الجنيه (إحصاءات التضخم لدى البنك المركزي المصري).
يستبعد التضخم الجوهري الغذاء والطاقة، وهما أكثر مكونات السلة المصرية تقلباً، ويُعد تراجعه المطّرد المؤشر الذي يراقبه البنك المركزي بجدية أكبر لالتقاط الاتجاه الكامن. أما التضخم الحضري العام، وهو ما تشعر به الأسر، فقد ظل أعلى من المعدل الجوهري في القراءات الأخيرة بفعل أسعار الغذاء، وتلك الفجوة بين السلسلتين، حيث يدفع الغذاء والوقود الرقم العام بينما يتراجع الجوهري، هي الصيغة المألوفة لاقتصاد يخفض تضخمه عبر إدارة الدعم وتأثيرات الإمداد لا عبر انهيار الطلب.
المسار من قمم 2023
تقع قراءة يناير بعيداً عن ذروة 2023، حين تجاوز التضخم العام 38 بالمئة وتجاوز المعدل الجوهري 40 بالمئة في الأشهر التي أعقت التخفيضات المتتالية. والسلسلة منذ ذلك الحين موثقة جيداً: عوملة مارس 2024 وتدفق استثمارات رأس الحكمة رسّخا إطار العملة؛ وظل سعر الفائدة الأساسي فوق 27 بالمئة طوال هضبة التشديد؛ وتراجعت السلسلتان العامة والجوهرية على مدى 2025 مع تأثيرات الأساس المرجعي وانضباط أسعار الغذاء وضعف الطلب المحلي. ومعدل جوهري عند 11.2 بالمئة في مواجهة سعر فائدة أساسي يتجاوز 20 بالمئة يعني أسعاراً حقيقية موجبة بعمق، وهي الشرطية الكلاسيكية التي تستشهد بها البنوك المركزية قبل انطلاق دورات التيسير.
ماذا يفعل البنك المركزي بها
وازنت اجتماعات لجنة السياسة النقدية على مدار الدورة بين مسار الانخفاض التضخمي وإطار سعر الصرف والأهداف الكمية لبرنامج صندوق النقد الدولي. وسؤال التيسير في مصر لا يتعلق أبداً برقم التضخم وحده: فتخفيضات الفائدة تمس تدفقات صفقات الفارق المرتفع إلى أذون الخزانة، التي مولت حصة معتبرة من العجز منذ الاستقرار، وعلى البنك المركزي أن يرتّب أي تيسير بما يصون استقرار سوق الصرف. وقد قرأت التغطيات التحليلية لبيانات يناير القراءة على أنها تتسق مع مسار التيسير الحذر، اجتماعاً بآخر، الذي أشارت إليه اللجنة منذ بدأت التخفيض من الذروة.
| المقياس | ديسمبر 2025 | يناير 2026 |
|---|---|---|
| التضخم الجوهري، سنوي | 11.8% | 11.2% |
إطار برنامج صندوق النقد
لقد اشترط ترتيب صندوق النقد الموسّع، الذي ضُخّم في مارس 2024 إلى ثمانية مليارات دولار، قصة الاقتصاد الكلي: فالمراجعات المرتبطة بمرونة سعر الصرف والأهداف المالية وتصفية الأصول الهيكلية تابعت الانخفاض التضخمي ربعاً بعد ربع. وتغذي بيانات التضخم الإطار الكلي للبرنامج مباشرة، وكل مراجعة ناجحة فتحت باب التحويلات إلى جانب تمويلات خليجية وبنكية عالمية موازية. وقد اقترنت التقارير الشهرية لوزارة المالية خلال هذه الفترة سلسلة التضخم بأرقام الفائض الأولي والإيرادات، مقدمةً الانخفاض التضخمي بوصفه الوجه الطلبي للتكيف المالي.
ما تلمسه الأسر والشركات
المسافة بين معدل جوهري متراجع وأسعار المعيشة هي سياسة اليوم اليومي للاقتصاد المصري. فقد تراجعت مساهمة تضخم الغذاء في السلسلة العامة عن أطرافها في 2023، لكنها تظل المكون الذي تُرجّحه الأسر أولاً؛ وتأتي تعديلات الأسعار المُدارة، من وقود ومؤشرات مرافق ضمن جدول إصلاح الدعم، على شكل خطوات منفصلة لا سلسلة سلسة؛ وتُرسي تسويات الأجور في القطاع العام، أكبر مشغّل في البلاد، المرساة الاسمية التي تسعّر السوق الخاصة على أساسها. أما الشركات، فقد كان الانخفاض التضخمي مع أسعار حقيقية موجبة يعني استعادة قوة التسعير في السوق المحلية إلى جانب عائد أذون الخزانة الذي امتص سيولة الجهاز المصرفي، وهو مزيج يزاحم الائتمان الخاص حتى وهو يثبّت العملة.
المراقبة المقبلة
ثلاثة متغيرات ستحسم ما إذا كان اتجاه يناير سيستمر. إطار سعر الصرف، حيث تُدار العملة ضمن نطاق تسامح بموجب البرنامج، ينتقل إلى الأسعار بفارق زمني، ونوبات الضغط تعكس الانخفاض التضخمي بسرعة، كما أثبتت 2022 و2023. وتحدد أسعار الغذاء والطاقة العالمية المكونات المتقلبة للرقم العام. أما وتيرة تيسير البنك المركزي نفسه، حين يأتي، فستختبر ما إذا كانت النفسية التضخمية قد رسخت عند المستوى الأدنى الجديد أم لا تزال تحمل ذاكرة عام الـ40 بالمئة. وقراءتا فبراير ومارس، اللتان تصلان مع اجتماعات السياسة النقدية المقبلة، هما العلامتان القريبتان.
ما يراقبه المحللون بعد ذلك
يصوغ الإجماع المهني السلسلة بحذر. وتُقاس متانة الانخفاض التضخمي بثلاثة اختبارات. أولاً، تأثيرات الأساس المرجعي: فأشهر المقارنة في مطلع 2025 تحمل قفزة التخفيض، ما يجعل الحساب السنوي يضخّم النصف الأول من 2026 بغض النظر عن السياسة، والقراءة الصادقة تبدأ بالأرقام الشهرية المعدلة موسمياً. ثانياً، عمق سوق الصرف: فارق السوق الموازية الذي انفتح خلال ضغوط 2022-2023 ضاق واتسع مع تحرك التدفقات، ومستواه هو حكم السوق ذاته على ما إذا كان الاستقرار صامداً. ثالثاً، الأسعار المُدارة للغذاء والوقود: جدول إصلاح الدعم يشرّع الزيادات، والسؤال هو المعايرة، أي ما إذا كانت الخطوات صغيرة بما يكفي لتنقل إلى الأسعار دون إعادة ترسيخ التوقعات. وقد أكدت اتصالات لجنة السياسة النقدية نفسها على مدار الدورة هذه النقاط الثلاث تحديداً، وظل التوجيه المستقبلي مقصوداً على أساس اجتماع بآخر. وللأسر والشركات، فإن خط الأساس العملي للتخطيط هو أن الاتجاه حقيقي لكنه فتيّ، وأن القروض المسعّرة ينبغي أن تفترض أسعاراً بعشرية مزدوجة طوال 2026، وأن قرار اللجنة المقرر المقبل هو العلامة الفاصلة بين رقم يناير كمحطة تاريخية أو مجرد توقف مؤقت.
وللاطلاع على الوجه الآخر من قصة النمو الإقليمية، اقرأوا تقريرنا عن تسارع مؤشر مديري المشتريات الإماراتي في يناير، وتابعوا الصورة الأوسع في قسم الأعمال والاقتصاد.
